عبد الملك الجويني

73

نهاية المطلب في دراية المذهب

فقد حصل في المسألة قولان في اندراج ديات الأطراف تحت دية النفس : أحدهما - أنها لا تندرج ، وهو اختيار ابنِ سريج ، والقياسُ أنها لا تندرج ، وفيها أروشها ، وفي النفس ديتها ؛ لأنه لما عاد فقتله صبراً ، فقد انقطعت سراية الجراحات بالقتل ، وتبين أنها لم تسْر ، ولم تصر نفساً ومسلكاً في إزهاق الروح ، فصار انقطاع السراية بهذه الجهة بمثابة انقطاع السراية بالاندمال ، وهذا قياس بيّن جلي . والقول الثاني - وهو ظاهر النص أنها تندرج ، [ والواجب دية النفس ] ( 1 ) ؛ فإن القتل جرى قبل الاندمال ، وإذا كانت السراية غيرَ منقطعة ، والأفعال وإن انفصلت بمثابة المتصلة ، ومن والى بالسيف على إنسان ، [ وطعنه ] ( 2 ) متحاملاً عليه ، حتى مات ، فيعدّ ما جرى منه قتلاً واحداً ، ولا نظر إلى تعدد الضربات والجنايات ، والذي يحقق ذلك أن الديات في الأطراف إنما تستقر إذا انتهت نهايتها واندملت ، فإذا لم تندمل حتى عاد ذلك الجاني بعينه وقتل ، فلا حكم لها أصلاً . والأصح في القياس اختيارُ ابنِ سريج . ولا خلاف أن من قطع أطراف إنسان ، ثم قتله رجل آخر ، فلا تداخل ، ولا اندراج ، وفي الأطراف دياتها ، وعلى قاتل النفس ديتها . 10318 - واختلف نص الشافعي رضي الله عنه فيه إذا قطع الأطراف خطأً ، وعاد ، فقتل عمداً ، أو قطع الأطراف عمداً ، وعاد فقتل خطأ ، فاختلفت صفة الجنايتين في الأطراف والنفس عمداً ، فقد نُقل عن الشافعي نصان فيما ذكرناه : أحدهما - أنه قال : " إذا قطع يداً واحدة خطأً ، ثم قتل عمداً ، فيجب نصفُ ديةٍ مغلظةٍ في حالة إذا كان القطع عمداً ، وديةٌ مخففة في النفس مضروبة على العاقلة ، وإن كان التصوير في العمد والخطأ على الضد ، فالجواب على العكس " هذا نص . والثاني - أنه قال : " يجب في اليد الواحدة والنفس الواحدة دية واحدة : نصفها مخفف على العاقلة ، ونصفها مغلّظ في مال الجاني " فانتظم قولان منصوصان إذا اختلفت الجناية ، كما ذكرناه .

--> ( 1 ) في الأصل : " وهو الواجب دية النفس " . ( 2 ) في الأصل : " فقطعه " .